الشيخ شامل الداغستاني
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله القائل:” من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا”.( سورة الأحزاب.آية23) .
والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الخالدين . وبعد،
يحفل التاريخ الإسلامى ببطولات هائلة فى عصوره المختلفة . ولاشك أن كل هذه البطولات جديرة بالبحث والدراسة ؛ للكشف عن بواعثها وأسباب وجودها .
وكلما تعمق الباحثون فى دراسة هذه الظاهرة ، أدركوا وتيقنوا أن الباعث لهذه الظاهرة والموجد لها هو الإسلام . فالإسلام هو الذى صنع تلك البطولات . لذلك كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول: “وما عمر لولا الإسلام”. وأيضا قال: كنا قوما أهل جاهلية فأعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العز فى غيره أذلنا الله .
ولما قيل لعمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين: جزاك الله خيرا عن الإسلام. قال: بل جزى الله الإسلام عنى خيرا.
فهذه هى حقيقة الإسلام الذى يمد الإنسانية من آن لآخر ببطل من أبطاله يجدد لهم دينهم ، ويعيدهم إلى صوابهم .
وإن الإمام شاميل لواحد من تلك البطولات العظيمة التى صنعها الإسلام وقدمها للبشرية . وخاصة إلى أهالى داغستان والقوقاز. إذ جدد وأحيا فيهم شريعة الإسلام من جديد بعد ما كادوا ينسلخون منها.
وإن من يتأمل سيرة الإمام شاميل ، ويتأمل كذلك سيرة الإمامين السابقين له ( غازى محمد ، وحمزة) يلحظ تشابها بين أحوالهم وبين أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأبى بكر ، وعمر رضى الله عنهما . على الترتيب .
فكما أسس الرسول صلى الله عليه وسلم دولة الإسلام فى المدينة المنورة أسس غازى محمد حركة الجهاد ضد الروس فى داغستان ، وكما حافظ أبو بكر رضى الله عنه على تماسك دولة الإسلام ووحدتها بعد النبى صلى الله عليه وسلم كذلك كان الإمام الثانى (حمزة) . أما سيدنا عمر رضى الله عنه فقد قام بعدة جهود تنظيمية وإدارية فى الدولة الإسلامية . حيث وضع الدواوين، وأنشأ الوظائف، ونظم الجيوش؛ حتى تتسع الدولة الإسلامية بقوة ونظام كذلك كان الإمام شاميل. فقد وضع نظاما إداريا شاملا للقوقاز كله ظهرت فيه عبقريته . وسنتحدث عن هذا فى ما بعد إن شاء الله.
ولعل فى إحياء سيرة الإمام شاميل بيننا أن تكون لنا نورا من ماضينا ينير لنا حاضرنا ومستقبلنا. وأن تكون دافعا لنا للعمل على تحقيق ما كان يهدف إليه الإمام ، وأن نسير على دربه . ففى التاريخ عبرة لمن يعتبر، وعظة لمن يتعظ.
نبذة عن تاريخ الفتح الإسلامى لداغستان
داغستان جمهورية ذات حكم ذاتى ضمن جمهوريات روسيا الاتحادية . تحدها جنوبا أذربيجان، وغربا جورجيا والشيشان ، وتحدها روسيا من الشمال والشمال الغربى ، بينما يحدها شرقا بحرقزوين. وتبلغ مساحتها 300,50كم2 ، ويبلغ عدد سكانها 2مليون تقريبا.
“وداغستان” كلمة مركبة من جزأين (داغ) ، وهى كلمة تركية بمعنى جبل ، و(ستان): كلمة فارسية بمعنى أرض أو مكان. فيكون معنى داغستان: الأرض الجبلية ، وهذا يعد وصفا لطبيعة داغستان الجغرافية ؛ حيث إن أغلب سكانها يعيشون فى مدن وقرى جبلية على سفوح وقمم الجبال الشاهقة ( ).
وبسبب هذه الطبيعة الجغرافية كانت داغستان تستعصى على الفاتحين الغزاة. ولم يخضع شعب داغستان لأى حكم أجنبى خضوعا مطلقا حتى كانت السيطرة الروسية عليه عام 1859م.
وإن أول من حمل راية الإسلام إلى هذه الديار من قواد العرب سلمان بن ربيعة الباهلى فى زمن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضى الله عنه . وقيل إن الكرة أعيدت لفتحها مرة أخرى سنة 19هـ حيث أرسل أبو موسى الأشعرى لما فرغ من فتح أصبهان سراقة بن عمرو ومعه عبد الرحمن بن ربيعة حيث فتحا باب الأبواب “دربند” ( ).
ثم توالت غزوات المسلمين لهذه الديار ، وجرت بينهم وبين الخزر الحروب العديدة والوقائع العظيمة ، حتى وصلت دفعات جديدة من الفاتحين أولهم قتيبة بن مسلم الباهلى سنة 89 هـ، ثم بن عبد الله الحكمى سنة 105هـ إلى أن جاءها مسلمة بن عبد الملك أخو هشام بن عبد الملك (الخليفة الأموى) سنة 113هـ حيث تمكن مسلمة من إرساء الوجود الإسلامى فى دربند ،
وحصنها وجعلها ثغرا من ثغور المسلمين ، بينما انصرف الدعاة من الصحابة إلى نشر الإسلام فى جبال داغستان .
ولم يكن التحول للإسلام شاملا وسريعا نظرا للطبيعة الجغرافية القاسية لداغستان فقد كانت العقائد فيها متباينة بين السكان ، ولكن حركات الدعوة لم تتوقف طوال تاريخها حتى أصبحت داغستان فى النهاية أرضا إسلامية .
ومن أقدم المعالم الإسلامية فى داغستان فى منطقة دربند بقرية “كمخ” مسجد أبى مسلم، ولايعرف من هو أبو مسلم هذا ـ فقد انتشر بين عوام داغستان وخواصها قديما أن فاتح بلادهم وناشر الإسلام فيها هو أبو مسلم المدفون فى قرية (خونزاخ) الواقعة ناحية أوارستان .
وفى الحقيقة لايوجد لأبى مسلم هذا ذكر فى التاريخ إلا فى رسالة معروفة باسم “دربند نامة” ونحوها من الرسائل التى لايعرف مؤلفوها ولايدرى متى ألفت .
وهنالك شواهد قوية تؤكد أن أبا مسلم المدفون فى خونزاخ ليس هو الذى فتح هذه الديار ونشر فيها الإسلام ؛ وذلك لأنه مكتوب على سيفه وخلعته المحفوظتين فى مزاره ما يلى:
ناد عليا مظهر العجائب تجده عونا لك فى النوائب
وهذا مكتوب بالخط الكوفى ، وهذا بالخط لم يكن مستعملا فى عهد الدولة الأموية ، وإنما استحدث بعدها فى الدولة العباسية . وقد اتفق المؤرخون أن هذه البلاد فتحت فى عهد الدولة الأموية . على أنه لايتصور أن يكون على شئ من آثار قائد جيش الدولة الأموية شئ مما ينوه بذكر على رضى الله عنه أو يرفع من شأنه لاسيما هذه المبالغة التى لم تكن معروفة فى العصر الأموى ، وذلك لما كان بين الدولة الأموية وعلى وآل البيت من العداوة المعروفة .
والمرجح أن أبا مسلم هذا المدفون فى “خونزاخ” هو واحد من كبار الدعاة المجاهدين الذين جاءوا لإحياء ونشر الإسلام فى هذ البلاد بعد أن طرأ عليها الفتور والضعف فى إقامة الشعائر . فجاء هذا الشيخ وعمل على نشر المعارف الدينية فى فترة الضعف هذه فظنه الناس الحامل الأول لراية الإسلام إليهم ونسوا ماقبله .
وكان رحمه الله من أهل السنة والجماعة ، وعلى مذهب الإمام الشافعى ، وإلا لما اشتهر مذهب الشافعى فى هذه البلاد ، إلا أنه كان فيه رائحة من التشيع والغلو فى حق سيدنا على رضى الله عنه ، وإلا لما ارتضى أن يكون على سيفه أو خلعته ذلك البيت .
ومهما يكن من أمر فإن داغستان قد أصبحت بلدا إسلاميا خلال قرنين أو ثلاثة بعد مسلمة بن عبد الملك .
وقد كانت دربند فى عهد الدولة العباسية مدينة للعلوم والمعارف الدينية ، وزارها الخليفة هارون الرشيد وأقام فيها سبعة أشهر ، ومات له بها ولدان ودفنا فى مقبرة (خلار مزار) .
وقد اشتهر فيها من أهل العلم والحديث جماعات منهم الشيخ زهير بن نعيم البابى ، وإبراهيم بن جعفر البابى وينسبان إلى باب الأبواب دربند . وغيرهم من العلماء المشهورين الذين لايتسع المجال لذكرهم ( ).
ولقد سجلت أول سيطرة عثمانية على الأراضى الداغستانية عام986هـ ، ولكنها لم تستمر إلا تسعة وعشرين عاما حتى ظفر الفرس بها فى عهد الشاه عباس الصفوى عام 1015هـ ، وبالتالى تقسم ولاء السكان المحليين بين الفرس والعثمانيين .
وبدءاً من القرن العاشر بدأت روسيا تدخل فى هذا النزاع للسيطرة على داغستان. ففى عام 1134هـ سير بطرس الأكبر حملة إلى فارس، واحتل فى طريقه أرض داغستان وادعى حق روسيا فى هذه السواحل . حتى انتزعها منه الشاه الفارسى نادرشاه عام 1147هـ . وظلت البلاد بعد مقتل نادر شاه عام1160هـ فى حالة من التفكك والفوضى . ولم يكن هذا النزاع يتجاوز البلاد الساحلية فى حين ظلت المناطق الجبلية فى أيدى الحكام المحليين .
وبقى الصراع بين الفرس والروس على هذه المنطقة فترة من الزمن حتى عهد كاترين الثانية حيث طرد الفرس الجيش الروسى عام 1209هـ 1796م ، وعادت روسيا وأخذتها من جديد عام 1230هـ 1801م .
وفى عام 1813 تنازلت إيران عن داغستان لصالح روسيا، وبدأ الروس يوطدون سلطانهم فى داغستان .
حتى ظهرت الثورة الإسلامية عام 1830م 1245هـ بقيادة الإمام الأول غازى محمد الذى نادى بوجوب تحكيم الشريعة الإسلامية وطرد الكفار إلى أن استشهد عام1832م وخلفه الإمام الثانى حمزة بك الذى اشتشهد عام 1834م، وخلفهما الإمام الثالث شاميل الذى أصبح رمزا للمقاومة الإسلامية فى وجه القيصرية الروسية ، واستمر كفاحه قرابة ربع قرن ، وأحرز انتصارات مذهلة ضد القيصرية الروسية ، وخاصة عامى 1843 و1844م ، واقتصر الوجود الروسى حينئذ على السواحل فقط إلى عام 1877م . وخلال هذه الفترة لم تهدأ داغستان من الانتفاضات المستمرة فى وجه الروس .
ففى مطلع هذا القرن قاد الشيخ نجم الدين الحِزى الثورة ضد الروس ، حتى أصبح واحدا من ألمع القيادات الإسلامية فى داغستان، وكان كفاحه يمثل خطرا حقيقيا للوجود الروسى . ولكن تفاقم الأحداث وظروف الحرب العالمية الأولى كانت أكبر من جهده فقام الجيش الشيوعى الأحمر باكتساح داغستان بجيش عرمرم ، وأصبحت داغستان ولاية سوفيتية ضمن جمهورية روسيا الاتحادية. وكان من أوائل القرارات التى اتخذها الحاكم العسكرى الشيوعى فى داغستان إعدام الشيخ نجم الدين وذلك عام 1925م. وأصبح معروفا بالشيخ المقتول ( ).
وبعد انهيار الحكم الشيوعى أصبحت داغستان الآن جمهورية ذات استقلال فيدرالى ضمن جمهوريات روسيا الاتحادية .
نبذةعن نشأته
هو شامل بن ذكاو محمد الكمراوى الأوارى الداغستانى الشهير بإمام شاميل . ولد فى حدود سنة 1212 هـ 1797م فى قرية “كمره” من مديرية خنزاخ على نهر قويصو قرية ذات ثمار وعنب ورطب . وكان أبوه معتدلا فى المعيشة يكتسب من عمل يده ، متوسط الحال ، أو كما قال صاحب خلاصة التفصيل عن أحوال الإمام شاميل (سيد عبد الرحمن بن الشيخ جمال الدين الغموقى) : لاغنيا ذا عزة وثروة ، ولافقيرا ذا قلة وذلة . وكان ذا جمال فائق ، وطبع على الرجال لائق . أخذ فى حداثة سنه العلم عن العالم المتجر سعيد الهاراكانى ، وغيره . تبحر فى فنون العلم وخاصة فى الفقه وأصوله ، وأتقن فن الفصاحة والبلاغة .
وصاحب المقدام الغازى محمد الشهيد ( الإمام الأول) وسافر معه إلى يراغ العليا ناحية كورة ؛ لتلقى الطريقة النقشبندية عن الشيخ محمد أفندى اليراغى ، فأجازهما اليراغى ، وكرا راجعين إلى “كمره” .
ويقول الدركلي فى كتابه (نزهة الأذهان فى تراجم علماء داغستان) : فاختفى البطلان مع حداثة سنهما عن أعين الناس وعكفا على العلم والعبادة ولبثا عليه برهة .ثم ظهرا يعظان الناس، ويجاهدان العادات الموروثة عن الأباء التى لا تتفق مع الكتاب والسنة . حتى جلبا قلوب الناس إليهما وأحبوهما . وواصلا معا حركة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى تحولت إلى جهاد ضد الروس ، ليس من أجل تحرير الأرض من أيديهم فحسب ، وإنما من أجل إقامة نظام جديد مستقل للدولة، ومبنيا على أساس الشريعة الإسلامية.
ومن صفة الإمام شاميل أنه كان متين الجسم، وشجاعا ، وفارسا بالفطرة ، وبارعا فى القتال بالسيف ، كما كان راميا ماهرا ، ومتفوقا فى ركوب الخيل . فقد اشتهر فى مرحلة مبكرة من حياته بقوته البدنية الخارقة التى عمل بكل وسيلة على تنميتها. فمارس المبارزة بالسيف والجرى والوثب ومختلف التمرينات الرياضية حتى أصبح لم يعد هناك من ينافسه فى هذا المضمار عندما بلغ العشرين من عمره .
ويُروَى عنه أنه كان يستطيع بسهولة أن يعبر وثبا حفرة اتساعها 27 قدما ، وأن يثب فوق حبل مشدود يتجاوز ارتفاعه قامة الرجل العادى. وكان يسير حافى القدمين عاري الصدر فى مختلف الظروف الجوية . وكان يفوق أقرانه فى البسالة والقوة ، بل إنه كان يتفوق على سكان جبال داغستان المعروفين بالصلابة والشدة . فكل هذه الإمكانيات البدنية كانت معينا وزادا له طوال جهاده ضد الروس.
كما كان متواضعا عطوفا على سواد الناس والخدم حتى الأسري. وكان يؤمن بأن الله يقبل دعاء الفقراء. وعندما كان يخرج فى حملة من حملاته كان يدعو الفقراء ويوزع عليهم الأموال والأقمشة ، ويطلب منهم الدعاء لهم بنجاح الحملة.
كم كان الإمام صاحب عفو وتواضع . ففى مرة من المرات التى كان يحارب فيها إحدى القري المتعاونة مع الروس فى منطقة أوارستان . فبعد قتال طويل ضعف أهل هذه القرية والتمسوا الصلح من الإمام ، واستأمنوه على عيالهم ، فأجابهم الإمام على شرط أن يأتيه الروس الموجودون بالقرية أولا ، ثم يأتي أعيان القرية .
فأتاه الروس أولا وقد وضعوا قلانيسهم على أفواه أسلحتهم ، وأمامهم أربعة من ضباطهم كما كان جاريا بينهم.فلما رآهم الإمام كذلك لبس التواضع والخضوع وخر ساجدا شكرا على ما أنعم الله تعإلى بتلك السعة بعد الضيق . ثم رفع الإمام قدر الضباط على مقتضي حديث النبي صلى الله عليه وسلم “أنزلوا الناس منازلهم”. فنصب لهم الخيام وذبح لهم ثورين وقدم لهم الطعام.
وهنا يمتثل الإمام شاميل موقف النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة فاتحا ، وأصبحت مكة بأسرها ورؤسائها تحت قبضته . فدخلها راكبا راحلته ، وكان يضع رأسه عليها تواضعا لله تعالى . وقد عفا عن أهل مكة، وأحسن إلى أعيانها لما أسلموا.
كما تربى الإمام شاميل تربية صوفية حيث تلقى مبادئ الطريقة النقشبندية وأورادها من الشيخ محمد إليراغى شيخ الطريقة بالمنطقة آنذاك. وكان لارتباطه بهذه الطريقة أثرها الكبير عليه طوال مسيرة الجهاد؛ حيث إن هذه الطريقة لم تكن تقوم فقط بتثقيف أبنائها فى المسائل الروحية فحسب ، لكنها كانت تبذل جهدا كبيرا لبث روح الجهاد فى نفوس أتباعها والناس منذ أن حولها الشيخ أحمد سرهندى (1564ـ 1624) إلى طليعة جيش إسلامى مولود من جديد.
ففى الوقت الذى كان الإمام شاميل يجاهد فيه من أجل الحرية والاستقلال كان هناك بطل آخر فى شبه القارة الهندية يجاهد أيضا من أجل نفس الهدف. وهو المجاهد سيد أحمد شهيد الذى استشهد عام 1831م فى “بالاكوت” بالهند.
فهذان البطلان كانا يتشابهان فى نواحي كثيرة من حياتهما فى النشأة والهدف والأسلوب. وكان كل منهما قبل أن يبدأ حركة الجهاد حاول مكافحة الفساد الاجتماعى فى بلاده أولا . فوجد سيد أحمد شهيد أتباعه بين عامة الشعب ، ووجد شاميل أنصاره بين الفلاحين.
وفى نفس الوقت أيضا كان هناك بطل ثالث من أبناء التصوف الإسلامى يجاهد ضد الاستعمار الفرنسى فى الجزائر من أجل الحرية والاستقلال أيضا ، وهو الإمام عبد القادر الجزائرى.
وقد تزوج الإمام شاميل ست زيجات . فتزوج “فاطمة” وهى داغستانية من “أونسكل” ، وأنجب منها أبناءه الثلاثة. وقد اتخذ زوجة أخرى تُسمَّى”داجفاجاراد”(جوهرات) من كمره . وقد أصيبت وسقطت فى واقعة “أحولكه” مع طفلها الرضيع. وسقطت له زوجة أخرى أيضا تدعى جوهرة . كما تزوج زيدات ابنة صديقه وأستاذه جمال الدين ، كما تزوج فتاة من قبائل الشيشان تدعى “أمينة” ، وتزوج فتاة أخرى أرمينية حسناء تدعى “شعينات” كانت ضمن السبايا اللاتى جلبن عند الغارة على “مزدك” عام 1840م . وكانت أحب زوجات الإمام شاميل إلى قلبه ، وقد تخلت من أجله عن دين آبائها ، وأصبحت مسلمة مخلصة ومتحمسة. وعندما عرض شقيقها أن يفتديها بعشرة آلاف روبل .قال الإمام شاميل : إنه لن يتخلى عنها ولو قدم له مليون روبل أو أكثر.وعندما هزم بقيت معه وشاركته حياة الأسر ، مع أنه كان يمكنها أن تسترد حريتها وتعود إلى ديار أهلها.
شجاعة وثبات
ففى الغزوة التى استتشهد فيها الإمام الأول غازى محمد يوم الاثنين 3/من جمادي الآخرة/1248هـ حوصر شاميل ومجموعة معه فى بيت ضيق، فهجم عليهم الروس فلم ، يخرجوا من البيت ، وكان مزدحما . فأمر شاميل من معه بالثبات ، وقال: انظروا هل سقط غازى محمد أم .لا؟. فقيل سقط. فقال شاميل : قد جاء يوم لانبكى فيه على غازى محمد ، ولم يكن مهموما ولامحزونا ، وكان يخبرهم أن الحور العين يحضرن الشهداء قبل فراق أرواحهم ، فلعلهن فى جو السماء ينتظرننا .
فظن شاميل ومن معه أن الروس يمكن أن يلقوا عليهم نارا من السطح فتضطرم بالبارود الذى معهم ، فأمرهم بالوثوب فلم يثبوا فسل سيفه ، فوثب هو من الباب فتقاتل مع من بالباب من جنود الروس بكل شجاعة ، فقتل منهم من قَتَل وهرب الآخرون ، ونجا هو ولكن بعد أن أصيب بجراحات وطعن فى صدره. ـ وكان شاميل قد رأى هذا الموقف فى منامه فى الليلة السابقة ، ولكنه لم يُرد أن يُحَدث به وقتها حتى يثبت من معه.
غيرته على الشريعة
كان شاميل يمشى فى إحدى شوارع قرية كِمره ، فوجد نساءا قاعدات فى الشارع يصنعن الصوف ، وكان معهن شيخ هرم ليس عليه إزار وبيده عصا غليظة ، فأخرجها منه ، وعنفه قائلا: أبالقعود مع النساء كنت تؤمر، فسقط الرجل وظهرت سوأته ، وضرب شاميل النساء فهربن إلا واحدة صبرت ، لكنها لما رأت استمراره فى ضربها هربت هى الأخري ، وصاحت قائلة: إنى أقتل.
فذهب ابن هذه المرأة إلى قاضى القرية شاكيا شاميلا. فأرسل القاضى شرطيا إلى شاميل يدعوه للحضور للتعذير لأنه أنكر المنكر بدون إذن منه ، فاستجاب شاميل لهذا الأمر الشرعى ، وانطلق للقاضى فجلده نيفا وعشرين جلدة ، وفى وقت الضرب أحس شاميل بخروج شئ من جرح صدره ـ حيث كان جرحه لم يندمل بعد ـ فقال للجلاد إنك قد فتقت جرحى فعليك الضمان . فهاب الجلاد وقال: إنا كنا ظننا اندمال جرحك وإلا لما ضربناك.
وكان هذا إليوم يوم جمعة ، فشهد شاميل الجمعة ، واستأذن القاضى للتكلم ، فتكلم وأثبت جواز إزالة المنكر للأفراد دون إذن من الوالى. كما قال: إن دين الله تعالى لايموت بموت أربابه ، فلقد مات من هو خير من غازى محمد . مات نبينا صلى الله عليه وسلم ، ومات الخلفاء الراشدون ، والله تعالى ناصر دينه ، وإنى والله لاأترك هذا الأمر حتى أموت ، فمن أراد ثواب الآخرة فليعن فى ذلك ، ومن أراد الحرب فليستعد لها.
وفى موقف آخر له أيضا . قال بعد أن سمع جماعة من المخالفين له يتحدثون عنه أنه يحرك الفتن ، فرد عليهم قائلا: والله لاأقعد عن إزالة المنكر ، وأقاتل عليها ( أى يدافع عن الشريعة) ولو لم يكن معى أحد . والله تعالى يكفيني. فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.
كما تكلم فى المسجد عند الاجتماع لصلاة العيد فقال: إنكم تظنون أن الشريعة تضعف بموت غازى محمد ، فوالله لاأتركها تنقص بإصبع بل أزيدها بذراع بعون الله تعالى ، وأنتم تعلمون أنى أكثر منه علما ، وأشد قوة وقبيلة . فليبارز من يخاصم الشريعة. لَيُخرِجَن الأعَزُّ منها الأذَلَّ.
ولم يكن الإمام يقبل الحلول الوسط فيما يتعلق بالمبادئ . فقد كان شديد التمسك بعقيدته الإسلامية. ولم يكن يصفح عن أحد لايسير على تعاليم الشريعة . وكان يحمل فى يده عصا مثل الخليفة عمر رضى الله عنه يعاقب بها عن كل معصية. ولولا حزم الإمام لما كان من الممكن استئصال الخرافات والعادات الجاهلية التى تتنافى مع الأخلاق الإسلامية بمثل هذه السرعة.
فأهل داغستان من قبل ولاية الأئمة الثلاثة ـ كما وصفهم “شعيب الباكنى” فى كتابه “طبقات الخواجكان” ـ “كانوا قد اعتادوا رسما شيطانيا،وكتبا عاديا، يعملون كل وقت بالرسم لابالشرع ، ولايستمعون إلى وعظ العلماء ونصيحة الخطباء . وكانوا دائمين على هذا الحال الفظيع والأمر الشنيع ، قائمون على أمر العرفاء الجهلاء ، والذين ليس فيهم رائحة من العلوم والمعرفة الذين هم أهل النار بنص الحديث والقرآن”.
ولقد أثبتت سياسة الإمام نجاحا عظيما ، إذ أمكن فى خلال فترة قصيرة قطع خطوات كبيرة فى تطبيق الشريعة الإسلامية.
ومن الأمثلة على حزمه فى تطبيق الشريعة : أنه أدرك إدراكا كاملا الأهمية الحيوية للغابات ، وخاصة فى ظروف الحرب . فأصدر أوامره الصارمة بالمحافظة عليها وصيانتها ، وفرض عقوبات رادعة لاعلى تدمير الأشجار بصورة متعمدة فحسب ، وإنما حتى على قطعها لاستخدامها بصورة سليمة دون إذن منه . وكانت العقوبات المفروضة هى أن يؤدى المخالف بقرة أو ثورا غرامة مقابل كل شجرة قام بقطعها . وفى أسوأ الحالات كان يتم إعدام المذنب شنقا ليكون عبرة لغيره . فقد كان تدمير غابة بمثابة تدمير لإمكانيات داغستان الدفاعية.
ولقد كانت هذه الغابات عائقا كبيرا أمام الروس فى حربهم للإمام ؛ لأجل هذا لم يستطيعوا السيطرة على حركته أخيرا إلا بعد بذل الجهود فى إزالة الغابات الكثيرة وإعدامها ، وشق الطرق خلالها.
وفى رسائله إلى عماله كان دائما ما يُذَكِّرهم بإقامة الشريعة بين الناس . ومن رسائله فى هذا:
“من العبد الذليل المسكين شمويل إلى المشهورين بالصيت والفضل : ملا وقربان محمد الكرطيين . سلام عليكم … أما بعد. فشمروا ذيولكم لإقامة شرع الرحمن ، وإزالة نهج الشيطان ،… وأقول فى حق كل أحد : عفا الله عما سلف ، لاتثريب عليكم إليوم ، يغفر الله لكم إن أقمتم الشريعة من الآن . وإلا فلِى عليكم وعلى كل من يُحاد الله ورسوله دعوى لاتنقطع حتى أَغلب أو أُقتل إن شاء الله”. كما كان يأمر سائر نوابه ألايتسامحوا أو يتهاونوا فى تنفيذ أحكام الشريعة.
ويصور الشيخ “شعيب الباكنى ” حال الشريعة ـ فى كتابه طبقات الخواجكان النقشبندية ـ بعد أن أُسِر الإمام شاميل.بأنها أصبحت كاليتيم بلا والد. فيقول: “بعد أن أسر الإمام فوق شاهق”غونيب”،… ووقعت البلاد فى أيدى الكفار انخربت الشريعة الصافية المطهرة … وبقيت أحكام الشرع المتين كأيتام بلا والد”. كما أنه قد جعل الإمام شاميل سادس الخلفاء الراشدين.فقال:” من المعلوم أنه لم يصدر بعد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز حكم شرعى كامل سوى حكم الإمام الأعظم الشيخ”شمويل أفندى الكمراوى”.
صبر وتوكل
ففى معركة “أحولكه” لما رأى السردال ( القائد الروسى ) ثبات شاميل ومن معه ، وأنهم لايستسلمون بعد أن مرت ثلاثة أشهر على حصار أحولكه ــ وفى نفس الوقت كان الإمام شاميل قد فقد كثيرا من أعوانه، ولديه عدد كبير من الجرحى ، وضعف الباقون، حيث أصبحوا لا يستطيعون الحصول على الماء ؛ حيث كان للروس مدافع كبيرة تحطم الصخور ــ رأى هذا السردال أن يدعو شاميلا للصلح والمهادنة ، وطلب ابن الإمام شاميل رهينة ، فأبى الإمام فى البداية ، لكنه لما رأى ضعف من معه وإصرارهم دفع ابنه جمال الدين إليهم وهو ابن ثمانى سنين .
وناجى الإمام ربه تعإلى قائلا: رب إنك أنت الله الذى ربيت نبيك موسى عليه السلام فى يد فرعون ، (وهو هنا يشير إلى قول الله تعالى فى سورة طه . آية رقم 39 “ ولِتُصنع على عينى” ) . وإن ابنى هذا الذى دفعتُه إلى الكفار صورة (أى رغما عنى) إنما هو أمانة إليك ووديعة عندك.، وأنت خير الحافظين. وأُرسل جمال الدين إلى موسكو ، وتعلم هناك إلى أن أصبح ضابطا برتبة ملازم فى جيش القيصر بينما كان الإمام ينتظر عودته بقلق مثلما انتظر نبى الله يعقوب عودة ابنه يوسف عليهما السلام .
وقد أعاد الروس فيما بعد جمال الدين إلى أبيه ليستبدلوه بالأميرة “أوربلياني” حفيدة قيصر جورجيا “جورج الثانى” التى وقعت أسيرة لدى الإمام ، فانتهزها الإمام فرصة لاستعادة ابنه ، وأخذ مع ذلك فدية مقدارها 40000روبلا. ورد الله تعالى إليه أمانته بعد 16 سنة.
الضربة التى لاتقصم الظهر تقويه
وتتمثل هذه الضربة فى حصار أحولكه أشهر حصار فى تاريخ حروب الإمام شاميل مع الروس ، وكان عدد السكان الذين يحيطون بالإمام شاميل يبلغ عددهم 4000 رجل وامرأة وطفل . يقيم معظمهم فى منازل شيدت كلها أو جزء منها تحت الأرض. وكان بعضهم يقيم فى كهوف ، ولم تكن نسبة المقاتلين تزيد على ربع هذا العدد ، وكانت هذه نقطة الضعف الأساسية فى موقفه لأنه لابد من توفير الغذاء لجميع السكان .
ولما امتد الحصار ندرت الأغذية بينما كان من الضرورى الحصول على الماء من الأنهار التى تجرى من تحت المرتفعات الصخرية ، ولايمكن الوصول إليها إلا عن طريق ممرات خطيرة تنحدر من المرتفعات الصخرية إلى عمق يصل إلى مئات الأقدام. فكان بعض من رجاله الشجعان يضطرون للنزول كل ليلة على حافة النهر للحصول على الماء معَرِّضِين أنفسهم لنيران القناصة الروس.
كما نصب الروس عدة بطاريات مدفعية لضرب الحصون والدعامات التى أقامها الإمام فى أحولكه. واستمر هذا القذف للحصن حتى قتل العدد الأكبر من المجاهدين . وأدرك العدد القليل الباقى من المجاهدين أنه لاجدوى من أية مقاومات أخرى ، كما رأى الإمام أن أية محاولات أخرى تعتبر انتحارا.
فحاولوا التسلل تحت ستار الظلام للخروج من أحولكه. ولكن بعد أن أظهروا بسالتهم وشجاعتهم فى ميدان أحولكه ، وأثبتوا للروس مدى صمودهم وتحديهم ، حيث خاض المجاهدون هذا القتال ببطولة ، كما ارتدت بعض النساء ملابس الرجال وقاتلن بشجاعة فى المراكز الأمامية ، وتكبد الروس خسائر فادحة فى الأرواح.فلم يسقط أى حجر ، أو منزل أو كهف فى أحولكه إلا بقوة السلاح ؛ حيث كان بعض المريدين يضحون بأنفسهم مقابل أن يكلفوا الروس ثمنا غاليا ، إذ يذهبون للروس متظاهرين أنهم يريدون الاستسلام ، فعندما يُقدمون عليهم يقاتلونهم.
واستمر هذا الحصار 80 يوما من يونيو1839م حتى نهاية أغسطس. وبلغ عدد القتلى الروس فيه 25ضابطا و 487 جنديا.بينما بلغ عدد الجرحى 124 ضابطا و2291 جنديا.فضلا عن الخسائر الفادحة الناجمة عن الأمراض.
خروج الإمام من أحولكه
بعد أن دخل الروس أحولكه واستولوا عليها فتَّشوا عن الإمام فلم يجدوه ، وفحصوا كل الأحياء والموتى ، فلم يجدوا له أثرا . كما أنهم لم يستطيعوا الحصول على أى معلومات عنه تبين لهم ظروف اختفائه. هل ألقى بنفسه من فوق الجرف مثلما فعلت أخته فاطمة حتى لاتقع أسيرة فى أيدى الكفار ؟؛ ـ حيث كان الإمام يوصى أهله وعياله أن يقاتلوا حسب طاقتهم ، ومن تُثخِنُه جراحه فليلقى بنفسه فى النهر الكبير ولايستسلم للروس ـ أم دبَّر لنفسه فرارا أكثر غرابة من فراره فى كمره قبل سبعة أعوام؟ إن الحقيقة لم تعرف إلا بعد عدة أيام ، وحتى عندما أعلنت ظلت فترة بعيدة عن التصديق.
لجأ الإمام إلى أحد الجروف المطلة على النهر ومعه زوجته فاطمة وابنه غازى محمد ، وعدد قليل من أتباعه المخلصين.ــ وكانت زوجته الأخرى جوهرة قد سقطت فى المعركة مع ابنه منها سعيد وكان عمره سنتان ــ .
هبطت هذه الجماعة الصغيرة فى الليل إلى ضفة النهر ، وكان الإمام رابطا ابنه غازى محمد على ظهره ، وقاموا بصنع عدة دُمَى خشبية ، وتركوها فى النهر ليأخذها التيار لتجذب انتباه الحراس الروس عنهم ، فنجحت هذه الخدعة ، وأطلق الروس النيران على هذه الدُّمى ، وزحفت الجماعة بحذر على طول ضفة النهر حتى وصلت إلى وادى ضيق عميق فاتجهت بعيدا عن النهر لكنها صادفت مجموعة من الحراس الروس فنشب بينهما قتال جُرح خلاله الإمام شاميل وابنه الصغيرغازى محمد حيث كان عمره 7سنوات. فحمل الغلام رجل آخر فقال له الغلام ـ أى غازى محمد ـ ألقنى فى النهر عملا بوصية أبيه للأسرة من قبل.
وبينما قَطعت هذه الجماعة مسافة طويلة فاكتشف أمرهم جماعة من كمره كانوا رقباء على الطرق لجيش الروس ، فأطلقت عليهم عدة طلقات نارية ، ولم يصب منهم أحد ، وعندما اكتشف الإمام هويتهم التفت إليهم بمرارة وغضب ، فسل سيفه ورفعه بقبضته ملوحا به ـ بحيث يرونه ـ صائحا “ سوف نلتقى مرة أخرى ياأهل كمره!”. ولحق برجاله متسلقا الصخور ، واختفى عن الأنظار. وأرادت جماعة أخرى من أهل كمره أن تلحق به لتقاتله ولكن الله أعماهم عنه فرجعوا.
وسارت هذه المجموعة الصغيرة المطاردة بين شعاب الجبال متسلقة وهابطة إلى أن أضناهم التعب ، وقتلهم العطش. و كاد الغلام غازى محمد يهلك من شدة العطش والجوع إضافة إلى جرحه حتى إن رقبته أصبحت لاتقوى على حمل رأسه. وشكى الابن إلى شاميل أنه يموت جوعا، فأشار شاميل إلى رأس الجبل فى ظلمة وقال:أتراه؟ فإذا وصلنا إلى ذلك نطعمك الخبز ونسقيك. فصلوا الصبح قبل الصعود إلى رأس الجبل ، فطلعوا عليه مع شروق الشمس ، فرأوا راكبا متوجها إليهم، فلما رآهم فرَّ هاربا ، فصاح شاميل: ارموه ارموه.فعرف الرجل صوتهم فرجع إليهم وقال: أنتم هؤلاء. ظننتكم طائفة من الأعداء ، فإذا هو قد جاء بحقيبة مملوءة خبزا وجبنا ليتلقى ويطعم من انفلت من التل ، فأُطعم غازى محمد وأكلوا.
ثم نزلوا بمراح غنم فاستضافهم شاب كان أبوه قد استشهد فى أحولكه، فذبح لهم شاة وأكرمهم. إلى أن جاءهم مريدون من القرى المجاورة فأنزلوهم عندهم مستخفين ؛ حتى لاينتشر خبرهم. فعلم به المريدن فى القرى المجاورة الأخرى فظلوا يستضيفونه عندهم ويتجمعون حوله، ويستقبلونه بالترحيب ، حتى استطاع خلال ستة أشهر تقريبا منذ فراره من أحولكه أن ينشر نفوذه فى هذه المنطقة ويعيِّن النواب ، وينشر الشريعة فى سائر المنطقة.
فى الوقت نفسه كان الروس يحتفلون بانتصارهم على الإمام شاميل وإبادتهم لحركة المريدين ، ويوزعون الأوسمة والنياشين.حتى إن القائد الروسى كتب فى تقريره إلى وزير الحربية فى سانت بطرس برج :إن الأمن قد عم جميع أنحاء البلاد ـ وإن شاميلا وإن لم يقع أسيرا ، إلا أنه قد جُرِّد من كل نفوذه ، حيث مات أكثر أتباعه وأسر الباقون ، وأصبح يهيم على وجهه وحده فى الجبال لايفكر إلا فيما يقيم أوَدَه ، وفى سلامته الشخصية. ومع هذا فقد وضع الروس مكافأة مقدارها 3000 آلاف روبل لمن يأتى برأس الإمام شاميل.
ونظرا لسياسة الروس المتعسفة فى الشيشان ، حيث جردوا الناس من السلاح ، وحولوهم إلى فلاحين ، وأخضعوهم للتجنيد الإلزامى مما أدى إلى سخط الشيشانيين واستعدادهم للثورة ضد الروس ، ولم يكن ينقصهم إلا قائد. فجاء وفد منهم للإمام وهو فى قرية “شبوت” طالبين نجدته وإمرته عليهم. فدخل الإمام الشيشان السفلى من جهة الحدود الغربية مع داغستان. وجاء إليه كبرائهم يظهرون السمع والطاعة فقسمها إلى أربع ولايات ، وعين نائبا على كل ولاية ، وكان صارما فى تطبيق حدود الشريعة الإسلامية ، ولم يمض اثنا عشر شهرا حتى أصبح قائدا على رأس شعب ثائر بأكمله ، ووطد دعائم دولة إسلامية تمتد من حدود داغستان حتى بلاد القوقاز. وبدأ يستأنف حركة الجهاد من جديد ضد الروس لمدة 25 سنة صمد فيها أمام اثنا عشر قائدا روسيا واحدا بعد الآخر ، ومستفيدا إفادة كبيرة مما حدث له فى أحولكه ، إذ تلقى منها درسا عظيما فى كيفية مقاومة الروس.فكانت أحولكه بالنسبة له هى الضربة الموجعة التى لم تقصم ظهره ، وقَوَّتْه بعد ذلك.
عبقرية الإمام
فى خريف عام 1843م شرع الإمام شاميل فى تكوين نواة لجيش عامل ؛ للسيطرة على بقية السكان ، وفى نفس الوقت للقيام بحملة فاصلة ضد الروس. فجمع قوة من الفرسان المسلمين أطلق عليهم اسم الأتباع المخلصين ، وذلك باختيار فرد من كل عشر أسر، ويكون واجبه الاستعداد فى أى لحظة لتنفيذ كل مايصدر إليه من أوامر.وفى نفس الوقت كان سكان القرية يعُولُون أُسَر هؤلاء الأفراد بزراعة أرضهم ،وجني محاصيلهم وخدمتهم،ورعاية أبنائهم.
ونظم الإمام فى كل قرية مجموعة مختارة من الأتباع المخلصين تتفق واجباتهم وامتيازاتهم مع ميولهم ونزعاتهم ، وقسم الأتباع إلى جماعات تتألف من 10 رجال ، أو 100 ، أو 500 رجل بقيادة قادة تتناسب رتبتهم وأهميتهم مع حجم الجماعة التى يقودها كل واحد منهم.
وكانوا يرتدون زيا موحدا يسمى الشركسية ذات اللون الأصفر بالنسبة للجنود ،واللون الأسود بالنسبة للضباط بينما كان الجميع يضعون فوق رؤوسهم عمائم خضراء . وكان يلتحق بهؤلاء الأتباع عند الحاجة رجل من كل أسرة . وكان هؤلاء يضعون تحت أمره قادة مؤقتين ويتم تقسيمهم بنفس الطريقة التى تقسم بها هذه الجماعات . أما فى حالة الطوارئ القصوى فقد كان يتم استدعاء كل رجل فى القرية أو المنطقة يكون قادرا على حمل السلاح.
وكانت إحدى المزايا الكبرى للنظام العسكرى الذى وضعه الإمام شاميل أنه يستطيع جمع قواته أو تفريقها حسبما يشاء ، وفى خلال فترة قصيرة من الزمن لايمكن تصديقها. فكانت استراتيجيته وتكتيكاته تشبه حرب العصابات .
فعبقريته الفذة التى ظهرت خلال معاركه تبرر أن يطلق عليه لقب أول قائد حرب عصابات إسلامية. فشخصيته العظيمة كانت عاملا عظيم الأهمية فى أن تجعل الشعب الداغستانى يصمد بقوة وشجاعة أمام الروس ويبطل كل هجوم لهم .
وفى الحقيقة إن عملية تقسيم الشعب إلى مجموعات وقطاعات مهمة عظيمة أنجزها الإمام رغم كل العقبات والصعوبات التى واجهته. فقد كانت داغستان تتألف من إمارات عديدة على رأس كل منها أمير يلقب بالخان ووحدات حرة أخرى تتألف من أجناس ولغات كثيرة مختلفة معظمها يعادى بعضها بعضا عداءا مريرا . وكانت الخصومات مابين القبائل مزمنة ، وبين القطاعات المختلفة أيضا ، وكذلك فى القرى والبيوت منذ عهد سحيق.
ولو كان سكان القوقاز ينتمون إلى قبيلة واحدة أو عرق واحد ، أو يتحدثون لغة واحدة لأصبحت مهمة الإمام أيسر إلى حد بعيد . فقد كان هؤلاء الناس جميعا يتمسكون بالإسلام ، ومع ذلك كانوا على استعداد لسفك دماء بعضهم بعضا. فلم يكن من السهل الاتحاد فى أرض لم تشهد سوى عمليات الثأر قرون طوال . ولو أن هذه القبائل اتحدت فيما بينها لااستطاع الإمام الوقوف فى وجه قوة امبريالية أعظم حتى من روسيا.
ولقد استفاد الروس من هذه الجهود التنظيمية للإمام شاميل . فبعد أن فشلوا طوال نصف قرن ، قاموا بتحليل أسباب الهزائم التى لحقت بهم تحليلا عميقا فأدركوا أن السبب الأول فى الهزيمة هو اعتماد القوات على رئيس يجلس على بعد مئات الأميال ويصدر الأوامر المختلفة ويتخذ القرارات .
لأجل هذا قام القائد العام للقوات الروسية آنذاك “بارياتنسكى” بتقسيم جيش القوقاز إلى خمس قيادات ، وتوزيعها على المناطق المختلفة ، وفوض كل قائد سلطات كاملة على أن يكون مسؤولا أمامه شخصيا. بهذا وبغيره من التنظيمات الإدارية الأخرى استطاع الروس محاصرة حركة المريدين بقيادة الإمام شاميل وإنهائها.
علمه وثقافته
كان الإمام شاميل فى كثير من المواقف يمتثل ، أو يستشهد بآيات من القرآن الكريم ، أو الأحاديث النبوية ، أو بأبيات من الشعر أو بمواقف من حياة النبى صلى الله عليه وسلم وسيرة الصحابة والتابعين رضوان الله تعإلى عليهم . مما يدل على إتقانه وفهمه لآيات القرآن الكريم واستحضاره لها دائما ، وكذلك فهمة للسيرة النبوية ، وعلى حفظه لكثير من أبيات الشعر العربى.ونعرض الآن مجموعة من المواقف تبين مدى علمه وثقافته .
كان الإمام عندما يدعو الناس للجهاد والعمل بالشريعة يقول : كل من أراد المساعدة فى دين الله لايحتاج إلى دعوة ؛ وذلك ليبين لهم أنها فرض على كل مسلم يعى ذلك. أما من دخل فى مضمون قول الله تعالى:”سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لايؤمنون”(سورة البقرة. آية 6) فلا تفيد فيهم الدعوة لقوله تعالى:”ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم”(البقرة.7) ، كما قال مُهَدِّدا ممتثلا قول الله تعالى: “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا”(الكهف 29) ، وقال: سواء على أن أحارب وحدى أو بمعين، ومعلوم أنى لاأعتمد على مخلوق . وأنشد فى ذلك بيتا من الشعر :
من استعان بغير الله فى طلب فإن ناصره عجز وخذلان
والإمام شاميل هنا متأثر بالإمام الأول “غازى محمد” الذى كان كثيرا ما يدعم رسائله وأقواله بآيات من القرآن الكريم ، ومن أبرز الرسائل للإمام غازى محمد فى ذلك تلك الرسالة التى كان يوجهها إلى القرى والنواحى قبل غزوها ، ونصها كالتالى:
“بسم الله الرحمن الرحيم . هو البارى تعالى والمستعان . جرى أمرنا ونحن عباد الله تعالى أولوا بأس شديد قاهرون فوق كل جبار عنيد . إلى كل من يعاند شريعة المختار ، ويخالف سيرة الأبرار . سلام على من يستمعون فيتبعون أحسنه ، ويتخذون الإسلام دينه . آمين . أما بعدý ، “فياأيتها النفوس الخبيثة اعلموا أنا قد بذلنا أرواحنا ومهجنا لإعلاء كلمة الله ، وشرفنا نفوسنا ابتغاء مرضاة الله . فإن كان لكم كيدý فكيدون . ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ولا تنظرون ، وإذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين . فإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولاتظلمون . وإلا فإذا خلعت البردة جلبابها، ولبست الحرارة أثوابها فلنأتينكم بجنود لاقبل لكم بها ، ولنخرجنكم من قراكم أذلة وأنتم صاغرون . ولنذيقنكم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلكم ترجعون . خرجنا ونحن أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين لإعانة إخواننا المؤمنين التائبين العابدين ، سلام عليكم إلى يوم الدين .
ثم يوجه الخطاب إلى إخوانه من المسلمين فيقول:
( أما بعد) فياأيها الإخوان الكرام اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون . عسى الله أن يكف بأس الذين ظلموا ، إن الله لايصلح أمر المفسدين ، ولاتهنوا ولاتحزنوا وأنتم الأعلون . والسلام على من اتبع الهدى وترك الباطل . فمن وجدناه لايعلم الفاتحة ، وسائر أركان وشروط الصلاة ، ومعنى كلمتى الشهادة والإيمان والإسلام والأقوال والأفعال المكفرة والكبائر السبعة والستين والأربعمائة فذلك نجزيه بما يليق . والسلام إلى يوم الحشر والمقام . انتهى” .
ولقد كان الإمام شاميل كثيرا ماينشد الشعر ويمتثله فى أوقات الوعظ أو التهديد أو اللوم والتأسف .
ففى إحدى المرات وهم مرابطين على جبل “طِلِق” أخبره شخص كاذب أن نائبه إسماعيل الجوخى قد تصالح مع الروس ، ودخلوا قلعة “الجوخية” . فحزن الإمام حزنا شديدا فأنشد وأنفاسه تتصعد ، والقلب يتقد من شدة الحسرة على القلعة .
وإخوان حسبتهم دروعا
وخلتهم سهاما صائبات
وقـد قالـوا صفت بنا القلوب فكانوها ولكن للأعادى
فكانوها ولكن فى فؤادى
لقد صـدقوا ولكن عن ودادى
ولما أيِس من أصدقائه بعدما رأى عدم مروءتهم وعدم وفائهم ، وصاروا فى معزل منه أنشد قائلا:
وأكثر من تلقى يسُرك قوله
ولا خير فى واد مريء متلون ولكن قليل من يسرك فعله
إذا الريح مالـت مال حيث تميل
وكان الإمام شاميل يمتثل أحيانا بين قومه قول الشاعر الذى يصف أناسا لا يميزون بين الخير والشر فى الأمور :
أصبحت مطرحا فى معشر جهلوا
حق الأديب فباعوا الرأس بالذنب
الناس أجمعهم سهل وبينهم
فى العقل فرق ولافى الآداب والحسب
كمثل ما الذهب الإبريز يشركه
فى لــونه والتفضــيل للـــذهب
والعود لو لم يطب منه روائحه
لم يفرق الناس بين العود والحطب
وعندما رجع الإمام إلى كمره خاف أهلها أن يصيبهم عساكر الروس كما أصيبوا من قبل بسبب الإمام الأول غازى محمد . فأظهروا شكواهم أنهم يريدون خروج الإمام شاميل من بينهم . فتمثل الإمام بقول القائل :
قَوِّض خيامك من أرض تُهان بها
وجانب الذل إن الذل يُجتَنب
وارحل إذا كان فى الأوطان مَنقَصَة
فالمندَل الرطب فى أوطانه حطب
وبقول القائل:
طالع تواريخ فى الدهر قد وجدوا
تجد هموما تُسَلِّى عندك ماتَجد
تجد أكابرهم قد جرعوا غصصا
من الرذايا بهم كم فُتِّت كَبِد
وتتجلى فصاحة الإمام وتقافته فى المجلس الحربى الذى عقده بعد الهزيمة التى لحقت به وبمن معه عند المواجهة مع الروس فى وادى “زُنُه” الواقع بين قرية “طكِدة” و”كرطة”. وذلك قبل أن يشرع فى تهيئة “أحولكه”.
فبعد الهزيمة بات طول الليل ساهرا يتفكر فيما يؤول إليه أمره . وفى صباح الغد جمع رؤساء الجيوش ، وعقد لهم مجلسا وجلس بينهم كواحد منهم ، وامتثل قول الشاعر حبيب الصفدى:
إن لم تجد منصفا للحق دعه إلى
مولى الموالى ومسَّاك السماوات
كقابض الجمر قبض الدين يومئذ
أين الأسود وأصحاب العزيمات
ثم قال: “أيها العلماء الكرام … والقادة الفخام . اعلموا أن هذا الدين ليس بفرض على خاصة ، بل هو فرض على وعليكم وعلى كل مسلم رشيد على مانطق به كتاب الله المجيد . وأن هؤلاء الكفار ليسوا أعداء لى دونكم ، بل هم أعداء لى ولكم . وأنا سئمت الآن الهرب منهم والدوران والاختفاء والستر والجولان . فاليوم أنشدكم بالله أن تظهروا لى عن آخر مافى ضمائركم ، وتعلنوا ما تكنونه من أسرار صدوركم . فإن كنتم أيها الإخوان تؤثرون الاستراحة عن هذا التعب والعناء ، وتختارون القعود عن مكابدة الجهاد والجفاء ، فارجعوا إلى أوطانكم ، وأنا أحفظ عن المكاره رأسى ، وأقوم برعاية نفسى حتى تقبر فى رمسى”.
فتحدث كل واحد من الجالسين بما فى نفسه فمنهم من رأى الصلح مع الروس ، ومنهم من رأى الدخول فى طاعة الإمام. ثم توجه الإمام إلى أحد كبار الرجال الجالسين وهو “ قدلصلمحمد الههلى” قائلا له لماذا أراك صموتا لاتتكلم ؟ فما تقول؟ فقال الههلى: ماذا أقول بين هؤلاء العلماء والأحبار والأئمة الكبار ، وإنى أُمِّى جهول ساذج … ولكنى سمعت من أفواه العلماء أن خيط الإسلام لاينقطع وإن رَقَّ . وإن الحرب فر وكر ، والأيام دول. فإن عدنا مرة ثانية فإن العُود بعد الكسر أَحمَد وأَفضَل ، وإلا فنتبع ما يقوله العلماء فعقلهم أسمى وأكمل.
وقال له أيضا أحد العلماء الجالسين”حجردبر الههلى” مؤيدا
إذا ضاقت بك الأحوال يوما
تمــســـك بالنبـــى فكـل هَمِّ فثق بالواحد الفرد العلى
يزول إذا تمــســـك بالنبـــى
ثم قرأ بأعلى صوته قول الله تعالى: “وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أويقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين” ( الأنفال آية 30) وأيده أيضا العالم الفارس “غلباز الكراطى” منشدا :
لاتشتغل بهموم القلب مُكتَئِبا
ما بين غمضة عين وانتباهتـها ولا تَبِيَتنَّ إلا خالى البال
يُغَيَّر الدهـر من حـال إلى حـال
وقرأ قول الله تعالى: “ولاتهنوا ولاتحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين” (آل عمران 139).
وقالا معا ( أعنى : غلباز وحجردبر): لانعطى الكفار والمنافقين إلا هذه السيوف ، ونذوق دون ذلك طعن الحتوف. فتبسم الإمام شاميل ضاحكا وقال. ماأشبهكما السعدين يوم الخندق .
ويقصد الإمام موقف الصحابيين الجليلين الأنصاريين سعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة من النبى صلى الله عليه وسلم ، وهم فى غزوة الخندق. إذ كان الموقف صعبا حيث تجمعت جيوش الأحزاب ضد المسلمين ، فأيد السعدان النبى صلى الله عليه وسلم وحمَّسَاه على جهاد الكفار ، وكان النصر للمسلمين.
فهذا الموقف يدل على استحضار الإمام شاميل دائما لمواقف الجهاد فى حياة النبى صلى الله عليه وسلم ، إذ كان يود أن تكون حياته ترجمة أو تطبيقا عمليا لحياة النبى صلى الله عليه وسلم .
فشكر الإمام هذين العالمين الجليلين على موقفهما النبيل ، وعزموا على مقاومة الكفار مرة ثانية.
وفى موقف آخر شبه أحد أتباعه قُرَقُلو الكراطى بالصحابى المشهور خالد بن الوليد رضى الله عنه.
وذلك عندما أرسل الإمام بعضا من العلماء لأهل “أُنسُكُل” ينصحونهم بالدخول فى طاعته حيث كانوا وقت ذاك فى حماية الروس ومعهم. فأجابوا: ليس لذلك المفسد الفتان (أى الإمام) إلا المقارعة بالسيوف،… فحَرَّض عليهم الإمام الجيوش ليقاتلوهم ، وامتد القتال بينهم إلى أن جاء من الروس مدد إليهم . فأرسل الإمام إليهم نائبه الأسد المفترس “قُرَقٌلو الكراطى” بجيشه فقضى على الروس، وسلب سلاحهم ومدافعهم وبنادقهم مع البارود. ولما رجع قَبَّلَه الإمام بين عينيه وقال: ما أشبه بريق سيوفكم البوارق اليوم ببروق سيوف رفقاء سيف الله المسلول على الكفار خالد بن الوليد، وإنك ياقرقلو أجدر باسم خالد، واشتهر قرقلو بهذا الاسم إلى أن مات .
وأيضا لما فتح الإمام قرية “أَنصال” عنوة أذن لعلمائها وأهلها وأعيانها أن يدخلوا عليه فعقد لهم مجلسا وبَّخَهم فيه . وقال لهم: كان يجب عليكم إذا نزلنا بأرضكم أن تقاتلوا هؤلاء الكفار … فاتخذتموهم أولياء ، وطغيتم عن الإذعان . بمضمون قوله تعالى:”ولاتتخذوا عدوى وعدوكم أولياء”. (الممتحنة . 1) فتوليتم وانهمكتم فى المعاصى حتى صرتم مقهورين لامنتصرين ، وحُقَّ فيكم قول الله تعالى :” ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فأذاقهم الله لباس الجوع والخوف بما كانوايصنعون “ ( (سورة النحل . آية 112).
ولقد أرسلت إليكم العلماء الكرام ، وتَلوا عليكم آيات الملك العَلَّام ، وأحاديث رسوله عليه الصلاة والسلام . فأَبَيتُم إلا أن تقاتلوا إخوان الدين . إلى أن أروكم ما قد رأيتموه فهلك منكم من هلك ، وسلك منهم سبيل الشهداء من سلك . فكم من دم حرام بسوء عقيدة علمائكم بأرضكم سفك ، وكم من حَرَم لله لفساد طويتكم هتك. ولقد صدق الشاعر أبو تمام حيث قال:
السيف أصدق أنباءا من الكتب فى حده الحد بين الجد واللعب
وللإمام شاميل رسالة تكشف عن مدى حسن سياسته العظيمة، وأسلوبه المقنع ،وتدل على مدى إتقانه للغة العربية وفهمه للقرآن الكريم . وهى رسالته فى دعوة أهل خيداق وتبسران إلى الجهاد. فقال:
بسم الله الرحمن الرحيم
“الحمد لله الذى فضل المجاهدين على القاعدين ( وهو هنا يشير إلى قول الله تعالى”وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما” ) ، والصلاة والسلام على محمد سيد الأولين والآخرين ، وعلى آله وأصحابه الذين شمروا أذيالهم لجهاد الكفار والمنافقين. من أمير المؤمنين شمويل إلى القضاة والعلماء والخواص والعوام وكافة أهإلى ولايات خيداق وتبسران ، ولاسيما إلى الشبان المشمرين أذيالهم لقتال الأعداء لإعلاء كلمة الإسلام . سلام الله عليكم وكان الله معكم وشكر سعيكم ، ورزقتم خيرا ووقيتم ضرا. أما بعد،
… اعلموا أيها الإخوان أنه لم تزل أوصافكم وأخباركم الحسنة تزداد فى أذنى يوما بعد يوم ،…. وطالت مدة التماسكم منا الإعانة لقتال أعداء الله ، ولم تنقطع رسلكم ورسائلكم عن بابنا سرا وجهارا. ووثقنا بكم وعلمنا كونكم مخلصين فى الأخوة والصداقة معنا … وكونكم أهل جهاد منذ قديم الزمان ، ومشهورين بالمروءة والغيرة والشجاعة فى أقطار داغستان أرسلنا إليكم أخانا المعتبر والمعتمد لدينا والمشهور فى دياركم وديارنا العالم الفاضل الشجاع الباسل أبو بكر حاجى بن العالم المشهور بين الأنام” محمد” قاضى أقوشة نائبا فى كافة أهالى ولايتكم مخيرا فيما يفعله هنا لكم ؛ لكونه أصلح أبناء الأوان لما اجتمع فيه من العلم والغيرة والتدبير والشهرة ، فأطيعوه وانقادوا لأمره ونهيه ، ولاتقصوه . فإن من أطاعه فقد أطاعنى ومن عصاه فقد عصانى، وشمروا الأذيال فى الحرب والقتال ضد أعداء الله ،… والتزموا الواجبات ، واجتنبوا المنهيات . فإن فضائل الجهاد لاتحصى . قال الله تعالى:” ولاتقولوا لمن يقتل فى سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لاتشعرون “. والأحاديث الواردة فى فضل الجهاد معلومة لديكم ، فلا حاجة للتطويل.قال تعالى:” ولينصرن الله من ينصره”. هذا والسلام . حرر يوم السبت . الحادى والعشرون من رجب 1266هـ.
وللإمام رسائل أخرى منها الفقهية والحركية والتربوية والتوجيهية فى قضاء مصالح الناس . والأسلوب السائد فى هذه الرسائل أنها عبارة عن مراسيم وأوامر وتعليمات وإرشادات وتوصيات من الإمام شاميل لهيئته الحربية ولنوابه فى المناطق المختلفة.
وهذه الرسائل تعتبر شاهدا على العمل الإدارى والسياسى القوى والنشيط للإمام شاميل فى المناطق الجبلية . كما أنها تعطى معلومات وفيرة وتصورات مختلفة عن نظام الدولة لدى الإمام شاميل. كما تعتبر هذه الرسائل أيضا نماذج للوثائق الحربية والإدارية والتنظيمية والاقتصادية والقضائية لمرحلة نضال الإمام شاميل والمريدين الذين بدأوا طريق الجهاد ليس فقط من أجل إسقاط التبعية لروسيا ، ولكن أيضا من أجل إقامة نظام جديد مستقل للدولة ، ومبنيا على أساس الشريعة الإسلامية.
البيعة المباركة
كان الإمام شاميل يمر على القرى والمناطق المختلفة لمبايعة أهلها لتصح إمامته وفق الشريعة . وكان معروفا أن الإمام الثانى حمزة قد عهد بالخلافة بعده إلى شاميل ، وقَلَّده إياها بعد جمع من العلماء الكرام .
ومن ضمن القرى التى مر عليها للحصول على المبايعة قرية “خَركَة” حيث عقد مجلسا فى مسجدهم الجامع ، والتمس منهم المبايعة . ووقع هناك كلام طويل واختلف الناس فيما بينهم . فمنهم من قال بالجواز ومنهم من قال بعدم الجواز .واستدل كل واحد على ما ادعاه. ثم قال لهم الإمام مناديا لهم: يا أحبار الزمان: ارتفعت أصواتكم وعاد المجلس عقيما لاينتج (أى غير مفيد) وأرى إن رأيتم أن نحضر العالم المجتهد “زَغَلَو الخَرَشى” ونفوض الأمر إليه . فوافقوا.فكتب الإمام إليه أن يحضر . فحضر وجاء جم غفير من العلماء ، وسواد كبير من رؤساء الناس. فقال العالم”زغلو الخرشى”: أيها الأحبار أخطأتم عن أصل المسألة ، فلمالم يصل سهمكم إلى النقرة اختلفتم. كأنكم تبايعون الإمام الأعظم خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم تدركوا مايجب على طائفة المسلمين … ثم قال: إن الله تعإلى أوجب على ثلاثة من المسلمين إذا خرجوا إلى السفر أن يؤمر اثنان منهم ثالثهم. مشيرا إلى حديث النبى صلى الله عليه وسلم “إذا كنتم ثلاثة فأمروا أحدكم… ثم قبض على يد الإمام شاميل وبايعه بوكالة أهل المجلس. ثم قال له ناصحا: يا ولدى شاميل. إنى لاأخاف الخطأ فى هذه المبايعة ، بل أخوف ما أخاف عاقبة أمرك إذا قوى عضدك بجنود تضيق لها الفضا ، وجرت على مقتضاك خيول القدر والقضا،… وصار فى يدك العقد والحل ، والتولية والعزل ، وحسِبت أنه قد صفا لك الدهر . ولتعلم أن الصفا يعقبه الكدر.
ثم قال له أيضا: إنى أعلم وقائع السلف الصالحين والطالحين ، كأنى نشأت فيهم وسعيت معهم ، وليس لتفصيلاتها زمان ، ولكن أذكر منها ما يزجرك عن الفتن؛ لئلا تذيق عباد الله المحن ، ولاتفوض أمورهم إلى غيرك ، ولاتسلم الأمر إلى يد واحد من رعيتك ، ولاتخوض فى حمى الله تعإلى إلا بإذنه من سفك دم مسلم بلا حكومة من العلماء به ، ولاتؤثر المال على الرجال.
تم ذكر له دوام دولة الخلفاء الأمويين إلى أن كثر ظلمهم ، وزاد عسفهم فأزالها الله تعالى بسيوف الخلفاء العباسيين ، ثم زالت دولة العباسيين بسبب الفوضى التى دبت فيها من وقائع الحجاج ، ومن القتل الذى دار بينهم على الخلافة ، ومن إجبار العلماء على القول بخلق القرآن( أى الخلافات السياسية والعقائدية التى كانت سائدة زمن العباسيين ، والتى كانت السبب فى إسقاط دولتهم ) ، ثم ذكر له فتنة القرامطة ، وكذلك دولة الجراكسة بمصر ابتداء من “برقوق” إلى آخرهم “طومان باى” …. وكذلك دولة الفاطميين ودولة صلاح الدين الأيوبى … فزال ملك كل هؤلاء ، وانقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلام ، وليس لملك غير الله دوام ، وأن الله تعالى سيبعثنا ويحاسبنا على أعمالنا..
ثم دعا هذا الشيخ الله تعالى فقال: اللهم ألهمه العدل والرفق بالعباد ، وامحق بسيفه الظلم والعناد ، وأطله أميرا على المؤمنين حتى يلحق الأحفاد بالأولاد … إلى آخر ما أطال فى دعائه ونصيحته . فبكى الإمام شاميل ، وأبكى ببكائه الحاضرين ، ثم تفرقوا ، وانحل عقد المجلس بعد أن بايعوه. وكان هذا قبل وقعة أحولكه.
فهذه المبايعة المباركة تكشف عن مدى إدراك الإمام شاميل لأهميتها الشرعية ، ومدى أهمية موافقة الناس عليها .وأنه لايجوز لشخص ما مهما كان أن يفرض نفسه حاكما على الناس رغما عنهم. كما تكشف لنا أيضا عن مدى تفاعل الناس آنذاك فى هذا الموقف ، وإيجابيتهم فى إبداء كل رأيه حتى ولو كان مخالفا.
كما تُبين لنا أيضا مدي تكاتف علماء المنطقة على موقف واحد مع بيان استجابتهم لكبير علمائهم ، كما تبين لنا أيضا مدى ثقافة هؤلاء العلماء الأفذاذ ، واطلاعهم على سير وأخبار الماضين من السلف، والتماس العبرة والعظة منها.وأن أهم المواقف فيها لاتزال حاضرة وماثلة أمام أعينهم ، حيث قال الشيخ كما سبق: إنى أعلم وقائع السلف الصالح كأنى نشأت بينهم.
كما كشف لنا هذا النص أيضا عن مدى شخصية الإمام شاميل العظيمة ، وأنه كان على حق فى كل ما يدعوا إليه ، وأنه لو لم يكن هكذا لما أيده هذا الجمع المبارك من علماء داغستان. فإن الأمة لاتجتمع على ضلالة كما قال النبى صلى الله عليه وسلم .
نفى وتكريم
أدت الانتصارات الروسية فى كل الجبهات إلى إضعاف الروح المعنوية لشتَّى جماهير داغستان فى المناطق المختلفة من الجنوب إلى الشمال . فلم تعد لديهم الشجاعة ولا التصميم على خوض القتال.وخضعوا فى ظروف يائسة للروس لأول مرة بلا مقاومة واسعة النطاق ؛ وذلك لأن الحرب كان قد طال أمدها فأثرت على السكان المحليين تأثيرا بالغا ، فلم تعد أسرة إلا وقد استشهد لها زوج، أو أب ، أو ابن .. ، بل تعرضت عائلات بأكملها للهلاك ، ودكت قرى من أساسها، وظلت الأرض سنين طويلة دون زراعة ، ولم يعد هناك من يهتم بالبساتين ويرعاها. كما كانت روسيا تنفق الأموال الطائلة من أجل تكوين جيوش من المرشدين والأدلاء والكشافة والميليشيا والجواسيس والخونة لكى تفرض سيطرتها على المنطقة . وتخلى عن الإمام شاميل أخلص رفقائه ودخلوا تحت السيطرة الروسية. كل هذه الاعتبارات وغيرها كان لها الدرو الكبير فى إضعاف حركة الإمام.
ولكن الإمام مع هذا لم يتطرق إلى نفسه اليأس أبدا ، وظلت روحه المعنوية مرتفعة. وكان آنذاك فى جبال الشيشان فغادرها على الفور إلى داغستان . وظل ليلا ونهارا دون استراحة يعمل على تعزيز مراكزه الدفاعية فى منطقة “أندى” فطلب من سكان المنطقة التعزيزات ولكن عزيمتهم ، كانت قد وهنت لما رأوا قوة الروس فلم يستجيبوا له ، وتخلوا عنه . وبعدها توالت سقوط قلاع الإمام فى أيدى الروس بلا مقاومة. كقلعة “أولوو”،”وكركبيل ، وأوخ” ، وغيرها. فأدرك الإمام أن حركته قد أصابها الضعف فرحل مع أسرته إلى منطقته “غونيب” ، حيث رحب أهلها به ، واستعدوا لحمايته.ولم يكن مع الإمام وقتها إلا أربعمائة من رفاقه .
ومع ذلك فى هذا الموقف الضعيف ظلل يُعَزِّز دفاعاته فى القرية . فقام أهلها بحفر الخنادق وعمل الاستحكامات اللازمة لتقوية خط دفاعهم الأخير.
وجاءت القوات الروسية ، وضربت حصارها الأخير حول جبل غونيب.وكان الإمام لايزال مصمما على القتال حتى النهاية من أجل المهمة المقدسة التى كرَّس لها حياته ، وهى محاربة أعداء دينه ووطنه.
وفى الخامس والعشرين من أغسطس عام 1859م بدأ الروس هجومهم الشامل ، وانسحب الإمام تجاه القرية بعد أن سقط مائة من المريدين قاتلوا حتى النهاية. حتى إن بعض النساء قاتلن قتالا يائسا حتى استشهدن.
وأراد القائد الروسى “بارياتنسكى” أن يأسر الإمام حيا. ولكنه كان قد حاول قبل الهجوم على القرية أن يتفاوض من أجل التوصل إلى صلح.
لوكان الإمام وحده لاختار الموت . ولكن كان معه أبناءه وزوجاته إضافة إلى أهل القرية الأوفياء الذين قدموا أنفسهم لحمايته. ولم يعد له ملجأ آخر . ولو وقع هجوم على القرية لما بقى فرد واحد فى القرية على قيد الحياة .
وكان الإمام يهتم اهتماما كبيرا بالشيوخ والنساء والأطفال والرفقاء . فأوفد اثنين من رفاقه للتفاوض على الصلح. فطالب الروس بالاستسلام غير المشروط. فلم يوافق الإمام . وفى النهاية وصل إليه أحد الضباط الروس ( العقيد لازاروف) ووعده بإنقاذ حياة أهل القرية. فركب الإمام جواده ولم يبق معه إلا خمسون مجاهدا هم البقية الباقية من آلآف المجاهدين.
ويذكر الشيخ”محمد نور محمد الهركانى الداغستانى”• فى إحدى كراساته التى عثرت عليها فى مكتبته: أن الباعث على استسلام الإمام للروس باعثان: الأول: استمالة الروس لأعوانه بالرشاوى، وتقليدهم المناصب المختلفة ـ حيث أدرك الروس أنهم لن يستطيعوا إفشال حركته إلا بهذه الطريقة ، وقد ذكر الهركانى أسماء بعض الأعوان الذين تقلدوا هذه المناصب، وحصلوا على الرشاوى. أما الباعث الثانى:فهو خيانة بعض نوابه له. إضافة إلى قوة الروس الحربية العظيمة التى زُوِّدوا بها أخيرا، ومع طول فترة الجهاد إلى خمس وعشرين سنة.
وقد صور حاجى محمد بن الحاج عبد الرحمن الثغورى صاحب كتاب” المشرب النقشبندي” هذا الحصار الأخير شعرا . فأشعر قائلا:
ديار فى جبال راسيات
وتلك قرى محصنة وعور
نعم لاسيما جبل “غُنِيّ”ُ
هو المخلوق مسدودَ الثغور
أحاط به السرادق من صخور
به اعتصم الإمام وأهل دين
وما أغناه عن سوء القضاء
فقد صعدوا عليه من احتيال
ولولا حصرهم بالاحتيال
وإن تسألنى عن صبح الحصار
فكم من مسعر فى الحرب أضحى
فـآلاف التـحـيـة والســـــــــــلام وأقطار على قلَل الأكام
شواهق بين أعلام سوام
غَنِيُّ عن حصون الاعتصام
ومسدود السبيل إلى السنام
على أطرافه مثل الغمام
لدى الإيقان من ضعف القوام
وهل يغنى عن القدر اللزام
على حين الذهول من الأنام
لما فتحوا بحرب ألف عام
فلا تسل فذا يوم القيام
صريعا فى قتال الاضطرام
على الشهداء فى دار الســـلام
وتحدث عنها أيضا الشيخ حسن الألقدارى فى قصيدة له فى كتابه ديوان الممنون.
واستقبل القائد الروسى الإمام استقبالا حافلا كأنه ضيف مُبَجل ، وهيأ له ولمن معه خياما فاخرة ذات فرش نفيسة ، وقدموا لهم الأطعمة الناعمة والفواكه المختلفة . وأرسل له القائد الروسى أن يَعِد عياله ليصلَهم بالهدايا والعطايا. فأرسل لهم الهدايا وهى : ساعتان مرصعتان بالماس لزوجتيه زاهده وشعينات . وخاتمان لبنتيه ، وقمصانا وحللا فاخرة لحليلتى ولديه كريمة وآمنة . وفروة للإمام نفسه. بعد ذلك انتقل الإمام إلى تمير خان شوره ( عاصمة داغستان سابقا ) واستُقبل هناك أيضا بالإعزاز والتكريم ، ومنها رحل إلى موسكو على (عجلة) عربة السردال الروسى الفاخرة.
وعندما وصل إلى مدينة “تشوكويوف” قرب “خركوف” كان هناك البادشاه ( قيصر روسيا. نيقولاى الأول) ، فقابله مقابلة حسنة. ، وقال له: طب نفسا إنك لن تندم بالقدوم علينا . فسرالإمام بذلك. واصطحبه البادشاه فى عربته النفيسة ليحضر معه العرض العسكرى المقام آنذاك ، ومشيا بين الجنود .
ثم أمره الباد شاه أن يذهب إلى مسكنه بمدينة فتربورغ ( سانت بطرس برج . حاليا) إلى حضرة الملكة أم الفادشاة لرغبتها فى رؤيته. ـ حيث كان الفادشاه قد وعدها أن يأتيها بالإمام إذا ظفر به ـ فاستقبلته الملكة استقبالا حسنا وسألته عن حاله ، وأرته العجائب والقصور البادشهية الفخمة وما فيها من أسلحة وكنوز ومدافع وعمارة لم ير مثلها من قبل .
واختار له البادشاه بلدة “كالوكه” لتكون مسكنا له . وهى بلدة طيبة الهواء وجميلة المنظر كثيرة الفياض والأنهار والأشجار ، ودور ذات حدائق فاخرة وواسعة وذات ثمار وأنهار وأزهار. وكانت والدة البادشاة تستريح بهذه البلدة إذا مرضت أو تعبت.
وقد أُمر حاكم هذه البلدة أن يُخَيِّر الإمام فى أي بيوت شاء. ولكن الإمام لم يختر وفوض الأمر إليهم تعففا وإعزازا واحتراما. فاختاروا له بيتا فاخرا مريحا ذا حمام مخصوص شتاءا وصيفا. وقد أُمر حاكم البلدة أيضا بصيانه البيت ، وتغيير مايفسد من أثاثه سنويا. وخصصوا للإمام اثنين من المترجمين ليستعين بهما فى التحدث مع الناس وقضاء حوائجه . وأمرا له سنويا بعشرين ألف مناة ، وعربة فاخرة ، وفرسين فارهين للتنقل كيفما شاء. وقد رفض الإمام أوانى الذهب والفضة المقدمة له للطعام فيها ، وذلك تمسكا بدينه فى حرمة الأكل فيها ، وبعدا عن التفاحش فى الثراء مما زاد من قدره عندهم.
ولقد كرم أهل بلدة “كالوكه” الإمام شاميل ، وصاروا يفدون إليه تتابعا لتحيته وإعزازه . فكانوا إذا لقوه فى الطرق أو المحافل يحيونه بخلع قلانيسهم ، ويصافحونه ، ويستضيفوه فى بيوتهم ، ولو أراد الصلاة يقومون ويوسعون له المكان احتراما له.
كما كان الأعيان من المناطق المختلفة يفدون عليه ليؤنسوا وحشته وغربته وبعده عن وطنه ، ويعزونه بالعزاء الجميل على قضاء الله تعالى ، ويدعون له بالخير عند انصرافهم قائلين له نحن نحبك لشيمتك المرضية وخصالك الحميدة التى اشتهرت بها بين الورى وأقطار الدنيا.
وفى سنة 1277هـ دعاه الفادشاه إلى قصره فى “بتربرج” وأرسل له عجلة فخمة ليركبها. ولما وصل الإمام إلى القصر دخل على مائدة كان البادشاة قد خصصها له قبل أن يستقبله . فقابله أحد وزراء البادشاه قائلا له : كلوا واشربوا هنيئا. ولما وصل كان البادشا آنذاك فى شغل وكان بابه مزدحما بوجوه الناس وكبراء القوم فوقف معهم على الباب ، فأبصره البادشاه من شرفة القصر فنزل إليه ومشى نحو الإمام مباشرة دون أن يلتفت لغيره ، فتعجب الحاضرون من هذا التوقير والاحترام. فسأله عن حاله وأظهر له السرور برؤيته ثانيا. وصحبه البادشاه معه فى رحلة عائلية مع أسرة البادشاة فى المنتزهات المختلفة. وعند افتراقهما قدم له البادشاه بيده سيفا من الذهب غاليا جدا ، واتفقا على أن يتبادلا الرسائل حتى يكونا دائما على اتصال ببعضهما. كما قدمت الملكة لزوجاته الهدايا والحلل المختلفة. فرجع الإمام من “بتربرج” ـ على ـ حد قول المؤرخ. مقيدا مأسورا بسلاسل الإنعام ، مكتوفا بحبال الإكرام.
وفى “كالوكه” عولجت أقدام ابنة الإمام “نجابه” حيث كانت أقدامها معوَجَّتَين ، ولما كان هذا الأمر يشغل الإمام ، فقاموا بمعالجتها، حتى لايحمل فى نفسه أدنى هم أو حزن وهو فى منفاه.
ولقد أرسل له شيخه جمال الدين الغموقى رسالة له وهو فى منفاه يُذَكِّرُه بنعمة الله تعإلى عليه وهو فى المنفى ، وأنه يجب عليه أن يقدم الشكر للبادشاه . ومضمون الرسالة كالتالى:
“ من الشيخ الهرم السيد جمال الدين إلى ولده الأعز الأكرم شمويل ، وإلى باقى العيال . السلام علىكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد ، فمذ ما سمعت حالكم وشانكم حمدت الله تعالى كثيرا على ذلك ، واحمدوا انتم واشكروا على ما أنعم علىكم بالنعم العظام ، وادعوا للبادشاه بالخير . فقد سمعنا عظم رحمه وإحسانه إليكم بالنعم الكثيرة مع كونكم من المسيئين إليه … فيجب علينا وعليكم الشكر على نعمه والدعاء له بالخير كل وقت بازدياد جاهه ؛ لأن من لم يشكر الخلق لايشكر الخالق ، وشكر المنعم واجب كما لايخفى عليكم ، والسلام . سنة 1278هـ فى تمير خان شوره .
ولقد ذكر صاحب خلاصة التفصيل أن الرسالة كتبت فى استانبول سنة 1279هـ.
ولعل تساؤلا قد يرد على الذهن. وهو لماذا ماقتل الروس الإمام شاميل رغم أنه قد كبدهم خسائر فادحة طوال خمس وعشرين سنة؟، ولماذا كل هذا التكريم وتلك الحفاوة له؟.
لعلهم رأوا إن قتلوه فإن ذلك سيثير الناس ضدهم من جديد، ويلتف الناس حول إمام آخر بعده. فإنهم قد رأوا من قبل أنه بعد مقتل الإمام الأول “غازى محمد” قام بعده إمام ثانى وهو”حمزة” وبعد مقتل حمزة قام بعده إمام ثالث وهو “الإمام شاميل”. فلعلهم أبقوا على حياة الإمام شاميل مخافة أن يقوم بعده إمام رابع . وأيضا لعل الإبقاء على حياته سيساعدهم فى إخماد الفتن المتبقية فى القوقاز .
وأما هذا التكريم التقدير لشخص الإمام ولأسرته فربما لجلب محبة الناس واحترامهم للبادشاه ، وتخفيفا للعداوة بينهم وبين أهل القوقاز. هذا والله أعلم.
المأوى الأخير
لقد كان الإمام شاميل دائما يتوق للحج لزيارة البيت الحرام الروضة الشريفة وقبر الرسول صلى الله عليه وسلم . وكان قد حاول هذا من قبل أثناء جهاده بطلب الهدنة من الروس على أن يسمحوا له بالحج لكنهم رفضوا؛خوفا من أن يحاول الحصول على العون والدعم من الدول الإسلامية.
وبقى فى نفسه الحنين والزيارة إلى البيت الحرام يراوده من وقت لآخر حتى طلب من البادشاه أن يتم عليه هذه النعمة . فسمحوا له على أن يعود مرة أخرى ، وأبقوا عندهم ابنه الأعز “غازى محمد” بزوجته ، وطلب الإمام اطلاقه فلم يقبلوا.
وفى يوم الاثنين العشرين من شهر صفر سنة 1286هـ أرسلوه مع باقى عياله إلى بيت الله الحرام. وأركبوه سفينة روسية لتصل به إلى استانبول . ولما وصل الإمام إلى أطراف استانبول أرسل رفيقين إلى خليفة المسلمين (السلطان عبد العزيز) يستسمحه بالنزول فى أرضه، فأذن له وبشره ، وخرج الكبراء والعظماء لاستقباله . وهيأوا له فيها سكنا وأروه مافيها من عجائب. وبقى الإمام فى استانبول ستة أشهر. ولما أراد السفر إلى مكة دخل على سلطان الإسلام الأعظم لوداعه . فلما دخل عليه أخذ يده وقبلها ، فقبل الإمام الأعظم أيضا يده . وقال كبراء الروس: هذا أمر لم يقع إلى الآن ولن يقع بعد. وهيأوا له سفينة ، وسار شيخ الإسلام ( أى المفتى) فى وداعه.
وكان الإمام شاميل قد علم أن سلطان الإسلام يجهز الجيوش على “إسماعيل باشا” المصرى لعصيانه. فسأل الإمامُ السلطانَ تأخير هذا الأمر حتى يمر هو بإسماعيل باشا . فقبل السلطان ذلك.
ولما حضر الإمام شاميل عند إسماعيل باشا أكرمه وأجلسه إسماعيل باشا فى مكانه على عرشه . فذكر له الإمام بأنه لايجوز أن يكون بينك وبين السلطان مشاجرة يفرح بها الكفار . فقال له اسماعيل باشا سأفعل ماتريد وما يطلبه السلطان فقال له الإمام شاميل: أرى أن ترسل ابنك إلى السلطان . فأرسله فاستبشر السلطان بذلك وسُرَّ، وزوج ابنته لذلك الابن ، فظهر السرور فى مصركلها بسبب هذا .
وغادر الإمام مصر إلى الحج ، ولما وصل إلى مكة استقبله شريفها أعظم استقبال ، وأرقاه على منبر المسجد الحرام ليراه الخواص والعوام من الناس. وبعد إتمام فريضة الحج ذهب إلى المدينة ليستقر بها . وكان أولاده يستوخمون الحياة فى المدينة ، وطلبوا منه الانتقال إلى استانبول ، ولكنه كان يقول لهم: إن أحب شئ إلى أن أموت هنا قرب النبى صلى الله عليه وسلم .
وتروى إحدى بنات الإمام التى كانت معه وهى (كريمة) أن الإمام ذهب مرة إلى المسجد النبوى فى المدينة فرجع وهو متغير اللون كأنه مريض فسألته عن حاله فقال: كنت فى الروضة الشريفة ، فدعوت الله تعالى ألا يفرِّقني من هذا الموضع فتغير حالى ومرضت مرضا يسيرا. وبقى هكذا مريضا إلى أن مات .
ويروى أن الإمام شاميل وهو فى الروضة توجه إلى الله تعالى خاشعا بقلب مضطرب ففاضت دموعه ، وقال: ياسيدى. إن كان نيتى ، واجتهادى ، وسعيى ، وجهادى لديك صافيا (خالصا) وعند رسولك مرضيا فلاتخرجنى من جوار نبيك ، وأمتنى فى حرم حبيبك، وأرنى وجهه وانفعنى بمحبته ، واحشرنى فى زمرته ، ولاتحرمنى من شفاعته. وبعد هذا مرض ، واشتاق لربه تعالى فانتقلت روحه إلى رحمة الله تعالى . وكان هذا . سنة 1287هـ 1871م. واجتمع أهل المدينة وعلمائها ، وخلق كثير من الناس لايحصى عددهم يشيعون جنازته ، ودفن فى البقيع بالمدينة المنورة. رحمه الله رحمة واسعة ، وأسكنه فسيح جنانه.
وكان بادشاه الروس قد أطلق سراح غازى محمد لزيارة أبيه بالمدينة ، ولكنه كان قد تأخر فى الوصول إلى المدينة فوصل إليها بعد وفاة أبيه الإمام.
بين مدح ونقد
إن أى انسان مهما كان لايسلم من نقد أو تهمة سواء كان هذ النقد حسدا،أو تقويما ، أو جهلا . وما من عظيم إلا وقد تعرض إلى تهمة أونقد . فالرسول صلى الله عليه وسلم نفسه وهو سيد الخلق وأعظمهم قد اتهم وجُرِّح . ومع ذلك فإن هذا لم ينقص من قدره وعظمته شيئا.
ولقد تعرض الإمام شاميل للنقد من قِبَل مجموعة من علماء داعستان وأهلها. حيث كانوا يرون من وجهة نظرهم أن الدخول فى حرب مع الروس هو إهلاك للنفس ، وتدمير للحياة لضعف الإمكانيات ، ولعدم تكافؤ القوى . فلماذا إشعال نار الفتنة والدخول فى حرب خاسرة . ولذلك كثيرا ما كانوا يتهمون الإمام بأنه مثير الفتن.
ولقد أظهر الشماتة فيه أحد علماء ه عصره المعاندين له وهو “الحاج يوسف إليخساوى” فى قصيدة شعر له ، وذلك بعد أسر الإمام شاميل . يقول فيها:
شمائل شاميل صارت قتاما
غدا فى عنفوان الأمر زُمرا
أسير الروس مسراه بليل
ومن يكذب على الله يهنه على ما كان سموه “إمام”
على ما كان قتل المؤمنين
فإن قلتم غلبنا أو جَبَنا
فهل أنت كفرت ببطش روس تريد بما تَحين علو دنيا
بشاعة ما َتذوق الآن فانظر فلست إذا بذى حزم وعزم فهل يجزيكم الفتاح خيرا
حقــوق المسلمـين عليـك جُرَّت وإن كانوا قد أقاموه إماما
وأمسى مفعم العرض ملاما
نكالا عن إباحته حراما فلا يلقى مدى دهر سلاما
حقيق أن يسموه جهاما
فسلم الروس مطواعا علاما فأحرى نحن منكم انظلاما
بلى أشعلتموا فينا ضراما
وآخرها تأَبَّت أن تراما
تُساوى ما بَطِرتَ به لزاما
أيا من صير النور الظلاما
على إهلاكم قوما كراما
وبــاد المــال مجمـــوعا مُسَــاما
ولقد رد على هذه القصيدة الشيخ محمد طاهر القراخى صاحب كتاب “بارقة السيوف” بقصيدة أخرى على نفس قافيتها. فقال:
شمائل شاميل صارت عظاما
بدأ فى أمره فردا وحيدا جميع الروس أسروه بعزِّ ومن يصدق على الله يصبه على حزم أطاعوه أميرا
على علم قتالُ المعتدين مُدىً غَلَبوا مُدىً غُلِبوا وأنتم
وكم لاقى ببطش حروب روس بذا فاق الأنام عُلُوَّ دنيا
حلاوة ما أصاب اليوم بلوى أكان يُأمر بالشماتة
لأنت الآن فى إظهار ضِغنِ نصرتم دين ربكم جهادا فحمــــدا للمهيــمن والصـــلاة لذا كانوا أقاموه إماما
وأضحى مُفعم العَضُد قواما
جزاء عن إبانته حراما
بنار مصيبة بردا وسلاما
جديرا أن يسموه إماما فسِلم الروس خوفا اصطلاما
رضيتم قُعَّدا عُزلا دواما مع استشعاله فيكم ضراما
ولكن دأبُها فى أن يَراما بما حيِن به الدين قِواما
على البلوى كفى الفرقان ذاما
أيامن هضم العلم اهتضاما
فيجزيكم على ذلك انتعاما
علــى المختــار بَـدًا واختتــامـا
كما مد حه الناظم الحاج محمد بن الحاج عبد الرحمن الثغورى فى قصيدة كبيرة منها هذه الأبيات:
وبويع بالخلافة بعد هذا
بدا هذا أشد الناس غيظا
ولم يرغب بغلظته عليهم
سعى يتجرع الغصات منهم
فلما طال هذا السعى منهم
غدا يزداد عزا واعتضادا
سعي فى الله فى حزم وعزم
أتاه الناس فوجا بعد فوج
فجــدد كـــل بنيــــان لســلم بإجماع لشمويل الهمام
وعدوانا لأعداء السلام
وإن أمسى على حد الحسام
ولا يُبدى لهم غير انتقام
أتاه الله بالعز الحسام
ويظهر أمره بعد انكتام
إلى أن يرتقى أعلى المقام
بطوع أو بكره أو غرام
وأحكمــــــه بســـد الانثـــلام
كما “يوسف اليخساوى” فى هجوه للإمام شاميل فى قصيدة منهاعارض الإمام نجم الدين الحزى هذه الأبيات:
واذممه وانظر إذا هل محدث دنسا
فى عرض ليث الثرى أن تنهقالحمر
نباح مثلك هل تجني مضرته من
يتلو له التراب الأمداح والحجر تراب أرض من الحمراء ألبسها
ماخاطه السيف لاماخاطت الإبر يايوسف الزم كذب ماتقول ولا
بالهجو قولك فى الأقوال يعتبر لذكره استك وبسمل لن يحلَّ
ولـــوثنــاؤه لمعــــاو فمــه قـــذر
واختم بيامنكرا أسر الإمام وقل
هل يكشف النجم إلا الشمس والقمر
وذكر المؤرخ القراخى أنه حدثت للإمام شاميل أمور خمسة رفعت قدره،وتكفيه فخرا وشرفا. وهى:أن فادشاه الروس أعطاه سيفا ذهبيا هدية بيده . وأن سلطان الإسلام قَبَّل يده عند السلام عليه فى استانبول ، وأجلسه عزيز مصر فى مكانه إجلالا له وإعظاما، وأرقاه شريف مكة على منبر المسجد الحرام ليراه الخواص والعوام ، وحقق الله تعالى له أمنيته بأن توفَّاه قرب النبى صلى الله عليه وسلم .
ومهما يكن من ذّمِّ للإمام شاميل فىكفيه أنه قد استطاع الصمود أمام قوة الروس الهائلة قرابة ربع قرن ، وأن يبطل العادات والخرافات الجاهلية التى كانت منتشرة آنذاك فى القوقاز كله ، وأن يُحيى الشريعة الإسلامية فى نفوس الناس بعد ما كادت أن تندرس ، كما استطاع فى هذه الفترة أن يوحد شمل القبائل المتنافرة والمتناحرة. وأثبت للعالم كله بسالة شعب القوقاز وشجاعته وتحديه ، وإبائه ورفضه للسيطرة الأجنبية عليه . وأنه لولاقلة حيلتهم وضعف إمكانياتهم لما رضخوا لأية قوة مهما كانت.
كما أن القوات القيصرية لم تستطع إحتواء هذا الشعب والسيطرة عليه إلا بعد أن تكبدت خسائر فادحة ، وأنفقت أموالا طائلة . فقد لقن هذه القوات درسا لن ينسوه . مما جعل أحد الجنرال الروسي “فالمينوف” يقول: “ إن الجيش الذى فقدناه ، والرجال الذين سقطوا قتلى فى تلك المعارك كان يمكنهم أن يفتحوا لنا الأراضى الواقعة ما بين تركيا واليابان”.
كما أن تَبَوُّأ الإمام لهذه الدرجة العالية منحة وفضل من الله تعالى: “قل إن الفضل بيدالله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم”(آل عمران73) كما أن الملك بيد الله تعإلى يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء.قال تعالى:” قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شئ قدير”.
ولقد سئل الإمام شاميل(رحمه الله) كيف وصلت إلى درجة الإمامة ، وهناك علماء ومشايخ كثيرون ومشهورون غيرك فى داغستان؟ فقال: بلغت هذه المكانة لشئ فعلته فى شبابى ـ حيث كانت لى أم عجوز وأختين ، ولما مات الوالد قلت للأختين: سأترك لكم جميع الميراث برضا تام بشرط أن آخذ أمى بدلا منه لتعيش عندى وأرعاها. فأخذت أمى وقمت على رعايتها حتى توفيت وهي راضية عنى . وكانت تدعو لى دائما وتقول:” أعلى الله درجتك وبلغك المقام الأعلى” فظننت يقينا أن دعوة والدتى كانت مقبولة مستجابة عند الله تعالى.
كما ذكر الإمام واقعة أخرى وهى : أنه كان مرة وهو تلميذ فى الجامع فى إحدى القرى . وكان شهر الصيام . فلما كان الليل وبعد العشاء تفرقنا نحن التلاميذ خارجين من حجرة إلى داخل المسجد ، وبيد كل واحد منا ثلاثة أداريق ( أي ثلاثة مقادير من الطعام) للتسحر بها ، فدخل الجامع سائل فلم يتصدق عليه واحد من رفقائى، فدنوت منه فى الظلام عند الباب ووضعت فى يده أدريقين وبقيت لي أدرقة واحدة ، فدعا هذا السائل لى وقال: أعلى الله درجتك. فظننته الخضر عليه السلام .
تم بعون الله
فالحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات.
داغستان ـ محج قلعةجمادى الثانية1418هـ / أكتوبر 1997م

